السيد كمال الحيدري

88

التربية الروحية

سرعة السير إلّا بُعداً ، فيفتح عينيه في ذاك اليوم فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ « 1 » ويرى أنّ كلّ شيء موجود إلّا الله عزّ وجلّ ، وأنّ عمله لم يكن خالصاً لوجهه تعالى ، بل أشرك معه ذاتاً أو جاهاً أو منصباً أو غير ذلك ، والحقّ يقول : « يا بن آدم أنا خير شريك ، ما عملت فأنا أجزيك به اليوم ، وما عملت لغيري فاطلب ثوابه ممّن عملت له » . « 2 » ولابد من التنبيه مجدّداً إلى أنّ علم الأخلاق ليس علم اصطلاحات فقط ، ولا أن يصعد أحدهم المنبر ليقول : الفناء في البقاء والبقاء في الفناء . . فلا هو يدري ما يقول ولا السامع . ولو كان الأمر بمعرفة الاصطلاح فقط فإنّ الشيطان أكثر معرفة به من غيره وبه استطاع أن يغشّ الكثيرين ، بل قد يكون العلم نفسه حجاباً ، ولذا فسّر بعضهم ما ورد من أنّ العلم هو حجاب الله الأكبر ، بأنّ العلم يكون كذلك إذا حجب الإنسان عن العمل ، وهذا ما أشرنا إليه سابقاً من أنّ فصل العلوم النظرية عن العملية أدّى إلى أن يعطى للعلم بما هو قيمة مستقلّة مع كونه مطلوباً للعمل لا لذاته . وعلى كلّ حال ، فبعد أن يقع الإنسان على الصراط المستقيم يبدأ دور علم السلوك ( العرفان العملي ) الذي يتكفّل ببيان درجات ومنازل السائرين إلى الله سبحانه وتعالى والتي قد تسمّى بالمقامات أو الحالات أو أيّ عنوان آخر .

--> ( 1 ) ( ) ق : 22 . ( 2 ) ( ) كنز العمال ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، 484 : 3 / 7536 .